حشرنا الله وإيّاكم مع محمّد وآل محمّد.
ما هي صحّة المذهب الإسماعيلي؟ وهل لكم أن توضّحوه من كلّ جوانبه؟
جزاكم الله خير الجزاء، وأعانكم على كلّ الأعداء، إنّه سميع يجيب الدعاء.
الاخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ المذهب الإسماعيلي منتسب إلى: إسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام), وأُمّه هي أولى زوجات الإمام الصادق(عليه السلام): فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن عليّ(عليهما السلام)، وهي تقريباً بنت عمّه, فولدت له: إسماعيل، ثمّ عبد الله الأفطح، وهما شقيقان لأب وأمّ (1) . ثمّ إنّ البحث عن حالات إسماعيل بحث مفصّل، ولكن الذي يظهر من كتب الحديث والتاريخ: أنّ إسماعيل إمّا هو بنفسه كانت له نيّة أن يتولّى الإمامة، أو يؤسّس فرقة, وإمّا أنّ هناك فئة كانت تجعل له مركزاً عالياً. فالإمام الصادق(عليه السلام) بينما كان يظهر له الاحترام والمحبّة كان يبعده عن هذا النوع من النشاط إلى أن توفّي إسماعيل.
وتاريخ وفاة إسماعيل فيه اختلاف, والصحيح أنّه توفّي سنة (145هـ), يعني ثلاث سنوات قبل استشهاد الإمام الصادق(عليه السلام)؛ فإنّه(عليه السلام) استشهد سنة 148هـ.، والإمام الصادق(عليه السلام) فعل بجنازة إسماعيل ما لم يفعل بجنازة أحد أبداً, فقبل أن يُحمل نعشه جاء الإمام الصادق(عليه السلام) وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على أنّ هذا المسجّى الميّت هو ابنه إسماعيل الذي مات حتف أنفه, ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة إلى البقيع كان(عليه السلام) بين فترة وفترة يأمر أن يضعوا الجنازة, فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على أنّ هذا الميّت هو ابنه إسماعيل مات حتف أنفه (2) .
وفي هذا دلالة قاطعة على أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) كان يرى في عمله هذا حفظ التشيّع والإمامة, فلا بدّ من دفع هذا الباطل، وإن لم يكن ذلك اليوم قائماً، فإنّه سيقوم فيما بعد, كما يشهد التاريخ القطعي أنّ هذا الباطل قام فيما بعد.
ثمّ إنّ أكثر الذين كانوا يأخذون من إسماعيل مبدأ حركة لهم ومركز نشاط، هؤلاء ادّعوا دعويين: الدعوى الأولى: أنّ الإمامة كانت في إسماعيل زمن أبيه, والإمامة إذا كانت في أحد فإنّها لا تُستبدل بغيره، بل تنتقل إلى مَن يرثه بالإمامة. فصحيح أنّ إسماعيل مات زمن أبيه ولكن الإمامة كانت فيه، فلا تُستبدل ولا تُعطى إلى أخيه موسى بن جعفر، وإنّما تنتقل منه إلى ابنه محمّد بن إسماعيل، الذي هو الإمام الثاني للإسماعيلية. وعلى هذا الرأي أكثر الإسماعيليين الذين عاصروا الإمام الصادق(عليه السلام) وعاصروا الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) بعد استشهاد أبيه. الدعوى الثانية: أنّ إسماعيل لم يمت في حياة أبيه، وإنّما كان إظهار موته من أجل التستّر عليه وحفظه، وأنّه بقي حيّاً بعد أبيه، ورؤي سنة (153هـ) في سوق البصرة، وله كرامات ومعجزات.
وهذه الدعوى الثانية عليها ألف ملزم وملزم, لأنّ التاريخ وكثير من الاعتبارات يشهد على بطلانها.
وأساس الكلام هو في الدعوى الأولى إذ أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) لم ينصّ يوماً ما على أنّ الإمام بعده إسماعيل, بل هناك روايات كثيرة تدلّ على أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) في حياته، بل ومنذ أن كان الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) صبيّاً في المهد كان ينصّ على أنّ ابنه موسى هو الإمام بعده. وهذه الروايات جاء بعضها في كتاب (الكافي) للكليني في باب النصّ على إمامة موسى بن جعفر(عليه السلام) (3) . نعم، قبل البداء في إسماعيل كان يخيّل إلى بعضٍ أنّ الإمامة لا تكون إلاّ في أكبر أولاد الإمام(عليه السلام), لهذا كانوا يرون أو يتنبؤون بأنّ الإمامة سوف تكون في إسماعيل. ولمّا توفّي إسماعيل بدا لله عزّ وجلّ، أي: أظهر الله تعالى جهلهم بعد أن كان هذا الجهل خافياً, بأنّ الإمام ليس هو إسماعيل, وإنّما الإمام هو الذي يكون حيّاً بعد وفاة الإمام الصادق(عليه السلام) وهو: الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام). فهذا معنى كلّ ما ورد فيه: (إنّ الله بدا في إسماعيل) (4) .
و(بدا) ليس معناه: أنّه جعله إماماً ثمّ عزله عن الإمامة، بل يعني: أظهر الله تعالى علمه بعد أن كان مخفيّاً, وأظهر للناس جهلهم، بعد أن كان يخيّل لهم أنّهم عالمون بأنّ الإمام بعد الإمام الصادق(عليه السلام) هو ابنه الأكبر إسماعيل.
فقامت الدعوة الإسماعيلية على أساس: أنّ الإمام بعد الإمام الصادق(عليه السلام) - بحسب الرتبة - هو إسماعيل، وأنّه مات وهو إمام, ولم تُسلب منه الإمامة إلى أخيه وإنّما انتقلت بالإرث إلى ابنه محمّد, هذا أساس الدعوة الإسماعيلية. نعم، هناك من يقول: بأنّه لم يمت وإنّما استتر عن أعين الناس, وقد قدّمنا أنّ شواهد التاريخ تكذّب هذا القول.
وهناك كلام لهم موجود في مصادر الإسماعيلية ويعترف به بعض منهم وهو: بأنّ الإمام الصادق(عليه السلام) حينما توفّي نصّ على ابنه الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام), ومن هنا قسّموا الإمامة إلى قسمين: إمامة مستقرّة، وإمامة مستودعة. والإمامة المستودعة يستودعها الله سبحانه وتعالى في آخر تستّراً وتحفّظاً على الإمام الذي استقرّت به الإمامة الإلهية. فيدّعون أنّ إمامة الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) إمامة مستودعة تستّراً على الإمامة المستقرّة الإلهية التي كانت عند إسماعيل، ثمّ استقرّت في ابنه محمّد (5) . هذا المعتقد يردّه ما بيّناه بصورة مجملة. وأمّا الحديث عن أُصول العقائد الإسماعيلية، فإنّهم يدّعون أنّ للشريعة باطناً - وهو أهمّ جانب في الشريعة - وظاهراً.
وأنّ الاهتمام لا بدّ وأن يكون بباطن الشريعة, وأمّا ظاهر الشريعة فلا يتقيّدون به.
والأدلّة على ذلك كثيرة، منها: أنّ الإمام محمّد بن إسماعيل يسمّونه بـ(قائم القيامة)، ويقولون: بانتقال الإمامة إليه قامت الإمامة (6) , ومعنى قيام القيامة: أنّ التكاليف كلّها سقطت عن جميع المكلّفين؛ لأنّ هذه التكاليف موضوعها هذه الحياة الدنيا، وإذا قامت القيامة سقطت التكاليف. فيدّعون أنّه بقيام قائم القيامة وهو الإمام بعد إسماعيل ابنه محمّد سقطت التكاليف (7) .
وبقي باطن الشريعة يؤخذ به إلى أن انتقلت دولة الفاطميين من المغرب إلى مصر, فرأى المعزّ لدين الله أنّ أكبر اتّهام وأكبر زلّة وأكبر مأخذ عليهم هو: أنّ جماعة الفاطميين لا يأخذون بظاهر الشريعة، فلا يحرّمون ما حرّمه الله, ولا يلتزمون بما أوجبه الله فأعلن بأنّ الأحكام الظاهرية لم تسقط, وأنّه يجب على من يعتقد بإمامة إسماعيل الأخذ بظاهر الشريعة وباطنها معاً.
وهذا كان إلى زمن الحاكم بأمر الله الفاطمي؛ إذ جاءته هذه النزعة أيضاً، وهو: أنّ ظاهر الشريعة مقدّمة للوصول والدخول إلى باطن الشريعة.
وفرقة (الدروز) تعتقد بأنّ الحاكم بأمر الله هو أفضل من أمير المؤمنين(عليه السلام)؛ لأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يعلم بباطن الشريعة وظاهرها, وكان يعلم أنّ الأساس هو العمل بباطن الشريعة دون ظاهرها، ولكنّه خدع الناس بالتزامه بالظاهر, وأمّا الحاكم بأمر الله فهو ألقى ثوب الظاهر وأظهر الباطن (8) . ثمّ إنّ الإسماعيلية على قسمين: إسماعيلية شرقية، ويسمّون بـ(النبأية)، والآن يسمّون بـ(الآغاخانية)، وإسماعيلية غربية، ويسمّون بـ(المستعلية)، أو البهرة، وإسماعيلية الآغاخانية لا يتقيّدون بأيّ حكم من ضروريات الدين, فلا يحجّون ولا يصلّون ولا يزكّون ولا ... المزید, بل ولا يأتون إلى زيارة العتبات المقدّسة. نعم، الإسماعيلية المستعلية يتقيّدون بالأحكام الإلهية فيحجّون و... ويأتون إلى زيارة العتبات المقدّسة، ولكن لا يأتون إلى زيارة الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) ومَن بعده من الأئمّة(عليهم السلام)؛ لعدم اعتقادهم بهم كأئمّة.
هذا خلاصة الكلام في الإسماعيلية ونظنّه وافي إن شاء الله تعالى.
ودمتم في رعاية الله