logo-img
السیاسات و الشروط
JOANNA ( 18 سنة ) - العراق
منذ 4 أشهر

التفكير في قضايا الخلق والإرادة

السلام عليكم عندي سؤال الله ليش يخلق الانسان بدون موافقته ؟ صح هو ألهه ومايحتاج يسأل المخلوق على خلقه ، بس هم من الاداب لازم ينسأل ، ولازم تعرض عليه حياته ويشوف المخلوق شيفضل ؟ " الوجود ام العدم " لان مو ذوق تخلقني واني ماطالبه هالعذاب هذا ؟ لو الله سألني جنت افضل العدم عالوجود ، ( راح تگلي العذاب بالدنيا الانسان جابه لنفسه لان هو مخير صح ؟) زين شنو جوابك للطفل اللي الله خلقه مريض ؟ خلقه مريض وماله علاج والمرض يستمر وياه لنهاية عمره ، زين والقبيح ؟ زين الغني والفقير ؟ الله ليش يبتلي الانسان بفقر علمود يختبر صبره؟ وليش يختبر البعض بالاموال علمود يختبره بنعيم؟ زين ليش يريد الانسان يعبده ويصلي ويصوم وووو علمود يا يدخله الجنه يا يدخله النار! هل الله نرجسي؟ اتمنى تفهم موقفي واسلوبي لان بهيج كلام اكدر اوصلك الفكره ورغم هذا الفكره مو واضحه وشكرا .


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته إبنتي الكريمة يامؤمنة، إنّ السؤال حول الاختيار في أصل الوجود، هي مسألة فلسفية وكلامية، فهل كنا مخيرين في أن نُخلق؟ وبعبارة أخرى، هل الإنسان كان له اختيار في أن يُوجد أصلاً، أم أن الله خلقه بالإجبار؟ الجواب: الإنسان قبل أن يُخلق لم يكن شيئاً، فكيف يُطلب منه أن يختار؟ الاختيار يستلزم وجود عقل ووعي سابق، والإنسان لم يكن موجوداً ليختار، فالقضيةـ بحسب التعبير المنطقي- سالبة بإنتفاء الموضوع، أي أنّ الإنسان لم يكن شيئاً مذكورا حتى نأتي ونقول: أنّه قد أُجبر على خلقه، ولم يكن له مجال للاختيار، فالله تعالى خلق الإنسان بحكمة، لا بإجبار ولا باختيار سابق، لأنّ الله أوجدنا لأنّه حكيم، وليس لأنّه استشارنا، لأنّنا لم نكن شيئاً لنُستشار أصلاً. إذا قال العاصي يوم القيامة: "أنا لم أطلب أن أُخلق، فكيف تعذبني؟"، فالجواب هو: 1- وجودكِ خيرٌ محض، لأن الله لا يخلق إلا لحكمةٍ بالغة، فخلقُكِ لم يكن عبثاً، بل كان رحمةً عظيمة، لأن في وجودكِ فرصةً للفوز بالنعيم الأبدي. فلو لم تُخلقي، لما كنتِ شيئاً مذكوراً، ولا كانت لكِ أي إمكانية لنيل السعادة الأبدية، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌۭ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًۭٔا مَّذْكُورًۭا﴾ [الإنسان: 1]، لكن الله أخرجكِ إلى الوجود، وأودع فيكِ الاستعداد للكمال، وفتح لكِ أبواب الرحمة والهداية، وأعطاكِ حرية السعي، فلم يُجبركِ على طريق، ولم يترككِ بلا بصيرة. والحقيقة التي لا يماري فيها عقلٌ سليم أن الوجود خيرٌ من العدم، والخلق خيرٌ من عدم الخلق، لأن العدم عدمٌ مطلق، لا سعادة فيه ولا أمل، بينما الوجود هو الإمكانية العظمى، هو طريق إلى الخلود في النعيم، هو فرصة للتزود بما يرفعكِ إلى ما هو أعظم مما يتصوره الفكر البشري، كما قال تعالى: ﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، أي أن رزقكِ وسعادتكِ الحقيقية ممتدةٌ إلى ما بعد هذه الحياة. ثم إن الله لم يخلقكِ ليحاسبكِ على ذات الخلق، فهذا مما لا يتناسب مع عدله، بل إنما يحاسبكِ على أفعالكِ بعد أن وهبكِ العقل والاختيار، وأوضح لكِ السبل، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾ [الكهف: 49]، فلا يُحاسَب الإنسان على كونه مخلوقًا، بل على ما يفعله بعد أن صار مكلفًا، وما أكثر الفرص التي أُعطيت له ليهتدي، وما أعظم الرحمة التي أُحيط بها ليصل إلى النور. 2- أنتِ تعرفين الصواب من الخطأ، وتمتلكين عقلاً وحرية، فإذا اعترضتِ أو تساءلتِ، فهذا دليل على أن الله قد منحكِ القدرة على الاختيار، ولم يترككِ سدى، بل أمدّكِ بكل ما يعينكِ على السير في طريق الحق ونيل الثواب. فقد خلقكِ الله مختارةً، عاقلةً، حرة الإرادة، ثم وضع أمامكِ طريق الخير والشر، ووضح لكِ العواقب، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، أي بيّن لنا طريق الهداية والضلال، ليكون اختيارنا عن وعي وإدراك، فلم يترككِ وحدكِ في هذا الطريق، بل أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأودع في قلبكِ فطرةً نقيّةً تميل نحو الخير، وزرع في أعماقكِ بذور الفضيلة، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]. فإن اختار الإنسان المعصية رغم كل هذه النعم، وأعرض عن سُبل الهداية التي بُسطت أمامه، فقد جنى العقاب بيده، لا ظلماً من الله، بل عدلاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]. إن الله لم يترك باباً للخير إلا وفتحه، ولم يترك باباً للشر إلا وحذّر منه، فأنتِ تملكين من العقل والفطرة والإرشاد ما يكفيكِ للوصول إلى أعلى درجات الكمال، فلا يبقى بعد ذلك إلا اختياركِ الحر، فهو الذي يُحدد مصيركِ، قال تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي خُلق الإنسان لأجله. فتحصل من ذلك أنّ أصل خلق الإنسان خير وتعريضه للثواب بالتكليف حسن, ولكن لا يصح الثواب إلّا بالطاعة ولا تكون الطاعة الموجبة للثواب إلّا عن اختيار.