السلام عليكم
هل العدالة بين الأبناء يجب أن تكون بالتساوي؟
وهل يتساوى الولد الذي يخدم والديه ويقوم بكل واجباتهم مع أخيه الذي لا يصلهم إلا بين حين وحين؟
فهل هذه هي العدالة؟!
وعيكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
أختي الكريمة، بارك الله فيكِ على اهتمامكِ بالسؤال عن العدل والبرّ، وهما من أعظم القيم التي دعا إليها الإسلام، واعتنى بهما أهل البيت (عليهم السلام) في وصاياهم للأهل والمربين.
اعلمي - رحمكِ الله - أنّ من أهم أصول تربية الأبناء: العدل في المعاملة، والحرص على إبعاد أسباب الحسد والبغضاء بينهم، فإنّ التفرقة في المعاملة - خاصة إذا كانت ظاهرة ومؤثرة - تُحدث في نفوس الأبناء شعورًا بالظلم، وتُضعف الروابط الأخوية، بل قد تؤدي إلى عقوق الوالدين أو القطيعة بين الإخوة، والعياذ بالله.
وقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «اِعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ فِي اَلسِّرِّ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ فِي اَلْبِرِّ وَ اَللُّطْفِ» (مکارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، ج١، ص٢٢٠).
أي حتى في أبسط مظاهر العاطفة والمودة، فكيف بما هو أعظم من ذلك من العطاء والاهتمام؟
فهذا الحديث الشريف يُبيِّن بوضوح أنّ مراعاة العدل الظاهري في التعامل والكلام والعطاء، من أهمّ أسباب تماسك الأسرة، وحفظ التوازن النفسي والعاطفي لدى الأبناء.
نعم، قد تختلف مشاعر القلب بحسب سلوك الأبناء، فمنهم البارّ المحبّ القريب، ومنهم المقصّر أو الجافّ، ولا يُحاسَب الإنسان على مشاعره القلبية بحيث لا تظهر هذه المشاعر على نحو يُشعر أحد الأبناء بالإهانة أو التهميش أو الغبن.
وأما التفاضل من جهة المال:
فقد أفتى سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله) بما نصّه: "يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطيّة على كراهيّة، وربّما يحرم إذا كان سبباً لإثارة الفتنة والشحناء والبغضاء المؤدّية إلى الفساد، كما أنّه ربّما يفضل التفضيل فيما إذا أمن من الفساد وكان لبعضهم خصوصيّة موجبة لأولويّة رعايته".
فيجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطاء، ولكن على كراهة، وقد يَحرُم التفضيل إذا كان سببًا لإثارة الفتنة أو الشحناء أو البغضاء المؤدّية إلى الفساد بين الإخوة.
نصائح عملية للتعامل مع الأبناء المختلفين في البرّ:
١. اختي الكريمة، تحدّثي مع ابنكِ المقصّر بلُطف وحنان، لا بلومٍ دائم، وأظهري له الشوق والمحبة، فقد يكون بعيدًا عنكم لأسباب يجهلها قلبكِ، ودفء العاطفة مفتاحٌ لرجوعه.
٢. أشركيه في بعض شؤونكِ دون تحميله اللوم، كأن تقولي: كم أتمنى أن تكون بجانبي كما كان أخوك، فإنّ رؤيتك تفرح قلبي، فهذا يُوقظ فيه مشاعر البرّ دون إحراجه.
٣. ادعي له في حضوره وغيابه، واذكري أمامه فضل الأخ الصالح، من غير مقارنات جارحة، بل بأسلوب التمني والدعاء، كأن تقولي: أسأل الله أن يوفّقكم جميعًا كما وفّق فلان لخدمتي.
٤. اكتمي ما في قلبكِ من تفضيل، ولا تُظهريه في التعامل أو الكلام، فإنّ الله يُحاسب على ما يُظهر الإنسان لا على ما في صدره.
٥. احذري أن يتحوّل تقديركِ للابن البار إلى ظلمٍ لأخيه، فإنّ العدل واجب، والبرّ يُكافَأ من الله قبل أن يُكافَأ من الناس، فاحتسبي ذلك في قلبكِ، واطلبي الأجر من الله.
ختامًا:
أختي المؤمنة، أوصيكِ أن تزرعي في قلوب أولادكِ الحبّ لا التنافس، والرحمة لا الغيرة، والبرّ لا الجفاء، وإن من أصعب المواقف أن ترى الأمّ أحد أولادها مقصرًا، ولكنّ الصبر والحكمة والرفق، هي مفاتيح الهداية وعودة القلوب.
نسأل الله أن يرزقكِ برّ أولادكِ جميعًا، وأن يقرّ عينكِ بهم في الدنيا والآخرة، ويجعلهم لكِ ذريةً صالحةً تُرضين بها قلب الزهراء (عليها السلام).
ودمتم في رعاية الله وحفظه.