السلام عليكم
طلب ابليس اللعين بأن يبقى عايش الى يوم يبعثون وفي الاية الكريمة( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) الله لم يستجب دعائه ووعده الى يوم المعلوم الي هو عصر الظهور لكن بأية اخرى (لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) شنو فرق هذا اليوم في كل من الايتين عل المقصود وقت الظهور لو يوم القيامة ؟
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
ولدي العزيز، في الآية الأولى التي ذكرتها الوقت المعلوم غير يوم القيامة؛ لأن أبليس اللعين كان يريد الاستمرار في إغواء بني آدم حتى آخر فرصة متاحة له، لأن في يوم البعث تسقط التكاليف عن الإنسان، ولا معنى هناك للوساوس والإغواءات، إضافة إلى هذا فقد طلب من الله (عزَّ وجلَّ) أن يبقيه حياً إلى يوم القيامة، رغم أن كل الموجودين في العالم يموتون في هذه الدنيا.
وهنا اقتضت مشيئة الله سبحانه - بدلائل سنشير إليها - أن يستجيب الله لطلب إبليس، ولكن هذه الاستجابة كانت مشروطة وليست مطلقة، كما توضحه الآية التالية: {قال فإنك من المنظرين}، ولكن ليس إلى يوم البعث الذي تبعث فيه الخلائق، وإنما إلى زمان معلوم، قال تعالى: {إلى يوم الوقت المعلوم}.
وهنا أعطى المفسرون آراء مختلفة بشأن تفسير يوم الوقت المعلوم حيث قال البعض: إنه يوم نهاية العالم، لأن كل الموجودات الحية من ذلك اليوم تموت، وتبقى ذات الله المقدسة فقط، كما ورد في الآية (٨٨) من سورة القصص: {كل شيء هالك إلا وجهه} وبهذا الشكل فقد استجيب لجزء من مطالب إبليس.
والبعض الآخر قال: إن ذلك اليوم هو يوم القيامة، ولكن هذا الاحتمال لا يتلاءم مع ظاهر آيات بحثنا التي يتضح منها أن البارئ (عزَّ وجلَّ) لم يستجب لكل مطاليبه، كما أن هذا الاحتمال لا يتلاءم حتى مع بقية آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن موت الجميع مع نهاية هذا العالم.
وقال البعض: إن هذه الآية يحتمل أنها تشير إلى زمان لا يعرفه أحد سوى الله سبحانه وتعالى.
ولكن التفسير الأول أنسب من بقية التفاسير، وقد وردت رواية في تفسير البرهان نقلا عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وتقول بأن إبليس يموت في الفترة ما بين النفخة الأولى والثانية للفرق بين {يَوْمِ يُبْعَثُونَ} و {يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} كما يدل عليه ظاهر الآية، وما ورد من روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فإن يوم البعث هو يوم القيامة، ومغايرة اللفظين تقتضي تقدّم: {يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} على يوم القيامة؛ لأنّ ساعة نفخ الصور يُصعق من في السماوات ومن في الأرض، ويموت كل كائن ذي روح، مضافاً إلى أنّ الوقت والزمان هو في النشأة الدنياوية، فاليوم الذي أُقّت لإبليس هو يوم موقت لأمر معلوم مشهود، حافل بأمر ما، كما يفيده دلالة لفظه المعرّف باللام، والموصوف بـ{الْمَعْلُوم}، وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام) هو في أيام رجعتهم إلى الدنيا مرة اُخرى قبل يوم القيامة، يوم رجوع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دار الدنيا، فيقتل فيها إبليس بحربة من النور، وهو تأويل الآية: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} (الأنفال: ٤۸).
وهو قول إبليس لجنوده عندما يتراءى له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحربة من نور يطعنه بها فيقتله، وهو تأويل الآية: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (القصص: ٨٥) أي: الرجوع للدنيا.
اذاً الآية الأولى يوم الوقت المعلوم غير يوم القيامة كما اتضح مما تقدم، أما الآية الثانية فإن المقصود من اليوم المعلوم هو نفسه يوم القيامة لوحدة السياق القرآني وأن سورة الواقعة تتكلم عن يوم القيامة، يقول الشيخ ناصر مكارم في تفسير الامثل في تفسير كتاب الله المنزل المؤلف، ج١٧، صفحة (٤٧٠): ثمّ إنّ القرآن الكريم يأمر الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يجيبهم: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}(١).
"ميقات" من مادّة (وقت) بمعنى الزمان الذي يحدّد لعمل ما أو موعد.
والمقصود من الميقات هنا هو نفس الوقت المقرّر للقيامة، حيث يجتمع كلّ البشر للحساب، ويأتي أحياناً كناية عن المكان الذي عين لإنجاز عمل معيّن، مثل مواقيت الحجّ، التي هي أسماء أماكن خاصّة للشروع بالإحرام.
ويستفاد من التعابير المختلفة التي وردت في الآية السابقة والتأكيدات العديدة حول مسألة الحشر، مثل: (إنّ، اللام، «مجموعون» التي جاءت بصيغة اسم مفعول، و وصف «يوم» بأنّه معلوم) ممّا يكون واضحاً و مؤكّداً أنّ حشر جميع الناس ينجز في يوم واحد، و جاء هذا المعنى في آيات قرآنية اخرى أيضاً(٢).
ومن هنا يتّضح جيّداً أنّ الذين كانوا يتصوّرون أنّ القيامة تقع في أزمنة متعدّدة حيث إنّ لكلّ امّة قيامة، هم غرباء عن آيات اللّه تماماً.
و لابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ معلومية يوم القيامة هي عند اللّه فقط، و إلّا فإنّ جميع البشر بما فيهم الأنبياء والمرسلون والمقرّبون والملائكة ليس لهم علم بتوقيتها.
ودمتم موفقين.
______________________________________
(١) استعملت (إلى) في هذه الجملة إشارة إلى أنّ القيامة تكون في نهاية هذا العالم، و يمكن أن تكون هنا بمعنى ب «لام» كما هو في الكثير من الآيات القرآنية وردت (لميقات).
(٢) هود: الآية ١٠٣، مريم: الآية ٩٥.